ابن بسام
356
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
السمع لمردّداته ، وملالة القلب لمكرّراته ، وبقيت محاسن أهل العصر التي معها رواء الحداثة ، ولذة الجدّة ، وحلاوة قرب العهد ، وازدياد الجودة على كثرة النقد ، غير محصورة في كتاب يضمّ نشرها ، ويشد أزرها . وقد كنت تصدّيت لعمل ذلك في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ، والعمر بإقباله ، والشباب بمائه ، فافتتحته باسم بعض الوزراء ، مجريا إياه مجرى ما يتقرّب به أهل الأدب ، إلى ذوي الأخطار والرتب ، ومقيما ثمار الورق مقام نثار الورق ، وكتبته في مدة تقصر عن إعطاء الكتاب حقّه ، ولا تتّسع لتوفيته شرطه ، وارتفع كعجالة الراكب ، وقضيت به حاجة في نفسي وأنا لا أحسب المستعيرين يتعاورونه ، والمستحسنين [ 1 ] يتداولونه ، وحين أعرته بعض بصري ، وأعدت فيه نظري ، تبيّنت مصداق ما قرأته في بعض الكتب : « إنّ أوّل ما يبدو من ضعف ابن آدم أنه لا يكتب كتابا فيبيت عنده ليلة إلا أحبّ في غدها أن يزيد فيه أو ينقص منه » هذا في ليلة واحدة فكيف في سنين عدّة ؟ ! ورأيتني أحاضر بأخوات كثيرة ومادّات غزيرة حصلت إليّ بعد ، فقلت : إذا كان هذا الكتاب له موقع من نفوس الأدباء ، ومحلّ من قلوب الفضلاء ، فلم لا أبلغ فيه المبلغ الذي يراد ، ويستوجب من الاعتداد [ 2 ] ؟ ولم لا أبسط فيه عنان الكلام ، وأرمي في الإشباع والإتمام [ هدف ] المرام ؟ فجعلت أثبته وأمحوه ، وأفتتحه فلا أختمه ، وأنتصفه فلا أتمه ، والأيام تعجز ، وتعد ولا تنجز ، إلى أن أدركت عصر السنّ والحنكة ، فاختلست لمعة من ظلم الدهر ، / وانتهزت رقدة من عين الزمان ، واغتنمت نبوة من أنياب النوائب ، واستمررت في تقرير هذه النسخة الأخيرة ، وتحريرها من بين النسخ الكثيرة . فهذه تجمع من بدائع أعيان أهل الفضل ، ونجوم الأرض من أهل العصر [ 163 ] ما لم تأخذ الكتب العتيقة غرره ، ولم تقتضّ عذره ، ولم ينقض قدم العهد زبره . والشرط في هذه النسخة إيراد لبّ اللباب ، وحبّة القلب ، وناظر العين ، ونكتة الكلمة ، وواسطة العقد ، ونقش الفص ، فإن أخّرت متقدما وقدّمت متأخرا فعذري فيه أن العرب قد تبدأ بذكر الشيء والمقدّم غيره ، قال تعالى : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ( التغابن : 2 ) وقال حسان بن ثابت ، وذكر بني هاشم [ 3 ] :
--> [ 1 ] اليتيمة : والمنتسخين . [ 2 ] اليتيمة : المبلغ الذي يستحق حسن الإحماد ، ويستوجب من الاعتداد أوفر الأعداد . [ 3 ] ديوان حسان 1 : 99 ( وفيه التخريج ) .